جيرار جهامي ، سميح دغيم
1056
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الحضري . أضف إلى ذلك أن ابن خلدون لم يهمل عوامل أخرى تساهم في تنوّع العمران البشري وتدفع به للارتقاء من طور الضروريات إلى طور الكماليات ، وهي عوامل تاريخية واجتماعية ونفسية . وتبقى الحضارة هي غاية للبداوة ، كما أن الكمالي هو غاية للحاجي والترف غاية للسعي والعمل ؛ ولذلك يستحيل تطوّر البدو نحو الحضارة تطوّرا طبيعيّا . * في الفكر الحديث والمعاصر - جاء مصطلح الحضارة كنقيض للبربرية والهمجيّة ، وهو يعني التمدّن الذي هو أنسنة لمن هو متوحّش . إنه تجاوز الإنسان لحال الطبيعة والشروط المادية المحيطة بها ، إضافة إلى تطويره مجموعة مؤسّسات تفيد وضع أنماط جديدة من العيش لتشجيع التقدّم الفكري والخلقي . والحضارة اليوم تحمل مضمونا وبعدا ثقافيّا واجتماعيّا ، كما وبعدا إبداعيّا عليه يتوقّف تطوّر الأجيال اللاحقة . ولا يختلف كلام جرجي زيدان عن الحضارة عمّا قاله سلامة موسى ، وابن خلدون قبلهما . أما سيّد قطب فإنه يعتبر الحضارة بناء متميّزا تختصّ به الشعوب ، وترتكز فيه إلى تراثها وشخصيّتها المستمدّين من الأصول ، غير المتلاقحين مع أي قوالب جاهزة تصدّر إلينا . ويرى الأرسوزي من جهته أن هناك مستويين للحضارة يمكن أن تشكّل منهما : الأول هو المدنيّة أو الجانب التقني الذي يفترض تطوّرا في أساليب المعاش المترفة والمتفنّنة ؛ والثاني يمثّل الجانب الثقافي الذي يصقل شخصية الإنسان بتراكماته المعرفية ، فينقلها من المرحلة الغريزية الفطرية التقليدية إلى مرحلة التفتّح والإبداع والحريّة . ومع مالك بن نبي قد لا يختلف معنى الحضارة عمّن سبقه من المفكّرين العرب ، لكن الجديد عنده هو تنبّهه إلى أن الحضارة يجب أن تعرّف من خلال وظيفتها وفاعليتها وليس فقط من خلال بنيتها . فهي مع كونها مجموعة شروط مادية ومعنوية ، فإنها تؤمّن استمرارية مجتمع معيّن على كل مستويات حياته المعيشيّة والفكريّة . إنها لا تقتصر على شكل من أشكال تنظيم الحياة البشرية ، بل هي خاصّة من خواصّ المجتمعات النامية . ويركّز ابن نبي على العنصر الديني في الحضارة ، على نقيض ابن خلدون الذي يرى أن أمما استجدّ عمرانها ( الإمبراطورية الرومانية ) ولم يكن فيها دين . فالمعبود الغيبي مهم في الاعتقاد ، وشمس الحضارة لا تشرق إلّا حيث يظهر الأنبياء أو الرسل . * في الفكر النقدي - لا نستطيع أن نطرح مفهوم الحضارة بحدّ ذاته بمنأى عن لوازمها وأهدافها معا . فهي تقتضي نموّا وإدراكا ووعيا متزيدا ، إلى جانب مقدرة الشعوب المتمدّنة وإرادتها لتثبيت مرتكزات حياتية متطوّرة . كذلك تتطلّب تحقيق شروط مادية وخلقية تتيح للمجتمع إصابة أهدافه للعيش بكرامة وحرية وسلام . لذا نعتبر أن الكلام عن الحضارة يتلازم مع رسم سلّم من القيم يواكب مسارها ، ما دام تطوّرها ودوامها يتهافتان إذا ما جنحت نحو